Thursday, 29 March 2012

الوحدة المريرة للثورة السورية


الوحدة المريرة للثورة السورية
ناعومي راميريث دياث – موقع :ال كونفيدينثيال

أكملت الثورة السورية عامها الأول من غير الاحتفال بشيء اللهم إلا بحقيقة أن الإرادة الشعبية لم يتم كسرها وأن المظاهرات مستمرة بالخروج حتى اليوم، بينما تتعاون المدن والأحياء فيما بينها من أجل ضمان وصول المساعدات الإنسانية (التي يتبرعون بها هم أنفسهم في حالات كثيرة) إلى المناطق الأكثر معاناة في البلد. هذا البلد الضحية لنظام فقد شرعيته في عيون المواطنين قبل شهور عديدة.
يستطيع السوريون أن يكونوا فخورين أيضاً بكونهم أكثر وعياً بالواقع، ذلك أنهم تعلموا درساً قاسياً، إذ علموا أنه لا حامي لهم في الطريق الصعب الذي بدأوه قبل أكثر من اثني عشر شهراً وأنهم ضحايا مؤامرة. هذه المؤامرة، التي لا علاقة لها البتة مع تلك التي يجادل عنها نظام السلطة السورية منذ الدقيقة الأولى للاحتجاجات، ليست موجهة ضد نظام المقاومة والنضال ضد الامبريالية المُفتَرض، وإنما ضد شعبٍ كان عليه، باسم هذه المقاومة المزيفة، أن يعاني أربعين عاماً من ديكتاتورية الخوف والصمت التي تقودها زمرة عائلية ليس لديها ما تحسد عليه المافيا الصقلية في ثلاثية " العرَّاب ".
المجتمع الدولي برمته متفق على شيء واحد، ربما لأن الأقطاب المتعارضة تتجاذب  وسوريا تشكل الحقل المغناطيسي الذي يستثير هذا التجاذب: الثورة في سوريا يجب أن لا  تنتصر لأن دولة ديموقراطية في هذا الموقع الجيواستراتيجي ستكون خطيرة جداً. صحيح أن التصريحات تتتابع، والعقوبات تتوسع (بينما تصل المساعدات إلى النظام من الباب الخلفي)، والتوقعات بسقوط الأسـد هي على جدول الأعمال، لكن الواقع هو أن هذه الكلمات تقع على آذان صماء. ولنقدم مثالاً بسيطاً: إن خصمين كبيرين مثل إيران وإسرائيل يتفقان على أنه من المحبذ أن يتكلس الوضع في سوريا، وهكذا يضعف البلد، طالما لا يصل الأمر إلى تهديد الاستقرار في المنطقة: الأولى من أجل الحفاظ على نفوذها في حربها الباردة الخاصة ضد بلدان الخليج العربية (التي تخشى، بدورها، وصول الموجة السورية إلى شواطئها) وبسبب خوفها من أن تكون سوريا مدخلاً للهجوم عليها في الصراع الدولي ضد برنامجها النووي. الثانية، تفضل سوريا ضعيفة على الجانب الآخر من الجولان، غارقة في مشاكلها الداخلية بدون أن تصيب هذه المنطقة برشاشها . كل ذلك بينما يتبادل البلَدان التهديدات بالهجوم والهجوم المضاد.
إنه لَمشهد دولي كئيب: مطالبات السوريين(السوريين العاديين، وليس أولئك الذين يجتمعون في قمم لا تنتهي ويقيمون في الفنادق، كما اعتاد المواطنون وصفهم) يتم تجاهلها باستمرار. مرت شهور من المناقشات الجدلية حول إمكانية تدخل عسكري أجنبي، قسمت الرأي الدولي حول المناورات الأمريكية الامبريالية المفترضة من أجل السيطرة على هذا البلد. هذه المناقشات قسمت أيضاً المعارضة السياسية السورية، وهي التي تحمل على عاتقها عبء أربعة عقود من المصاعب من أجل التوحد. في نهاية المطاف، إن التدخل الذي لا يثير حتى اهتمام سورييي الداخل أنفسهم (رغم أننا لا نستطيع إنكار أن البعض يطلبونه بمواجهة هذه الحالة اليائسة) بسبب العواقب الكارثية التي قد يحملها، لم يكن في الواقع على الطاولة في أي وقت من الأوقات، و إنما تم استعماله كذريعة من أجل تبرير الانقسامات.
بصرف النظر عن هذا الجدل غير المثمر عن التدخل، قرر المجتمع الدولي تجاهل     الشعب السوري في رفضه للتحاور مع النظام مقترحاً دعم المهمة الديبلوماسية لكوفي أنان (خلال زيارته إلى سوريا والوصول اللاحق لبعثة تقييم الأوضاع الإنسانية لم يتوقف الضحايا عن السقوط بين السكان المدنيين)، مدافعاً عن حوار بين نظام الأسـد والمعارضة. في هذه اللحظة بالذات تثور الشكوك عن ماهية هذه المعارضة، آخذين في الحسبان سابقة مؤتمر الحوار الوطني الذي أقيم في دمشق في شهر حزيران| يونيو الماضي والذي لم يكن فيه، كما سبق وتكرر القول إلى حد التخمة، معارض حقيقي واحد.
إذا أخذنا في الحسبان، بالإضافة إلى ذلك، أن المجتمع الدولي يطالب - نعم يطالب -  المجموعات المعارضة المختلفة بالتوحد في جسم واحد (دائماً نتحدث عن المعارضة السياسية، متجنبين الأبطال الحقيقيين في هذا النضال) وبهذا يمكن الاعتراف بهم كممثلين شرعيين للشعب السوري (الأمر الذي فعله، حتى يومنا هذا، المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا فقط ). كيف "سيقبل" النظام بالحوار معهم؟ أكثر من ذلك بعدُ، هل سمع أحد الانتقادات المتتالية التي يطلقها المتظاهرون ضد مجلس يعتبرون أنه ليس على مستوى تطلعاتهم، وتقسمه المصالح الشخصية لأكثر من شخصية معروفة؟ الحقيقة هي أن الثورة السورية، لحسن الحظ أو لسوئه، هي "ثورة بدون قيادة" كما يوضح الكاتب اللبناني الياس خوري. السوريون العاديون فقط هم من يمثِّلون أنفسهم محاولين تنظيم أنفسهم من خلال اللجان المحلية، التي تحاول، في نقاط عديدة من البلاد، التنسيق مع الجيش السوري الحر في عمليات الدفاع عن المتظاهرين.
هذا الجيش يستثير ردود أفعال ومشاعر متضاربة. البعض يشكُّون فيه نتيجةً للأخبار التي ترد حول تسلل بعض العناصر المعينة من ذوي الأهداف المشكوك فيها إليه، وبسبب كونه مُشَكَّلاً في جزء كبير منه من السُنَّة (إذا تمعن المرء في التوزيع السكاني في سوريا فلن يفاجئه هذا الأمر كثيراً)، والبعض منهم ملتزمون دينياً إلى درجة كبيرة. بالنسبة للبعض الآخر، يتعلق الأمر بجسم مُكَوَّن في غالبيته من عسكريين منشقين وبعض المتطوعين المدنيين الذين قرروا، بنبلٍ منهم، الانحياز إلى جانب الثورة. في ظل هذه الضبابية التي تلف هذا الجسم، غير المتناسق على الصعيد الوطني وبقيادة يتنافس عليها الكثيرون، يثير القلقَ أيضاً من يستخدمونه في صراعهم الخاص مع النظام من الخارج (خاصة عندما يقوم بهجمات ضد أهداف للنظام مثل أبنية أجهزة الاستخبارات). على أية حال، من المؤكد أنه بالنسبة للكثيرين داخل البلاد يبقى الجيش الحر هو الخيار الوحيد المتبقي لهم كمخرج "وطني" من أزمة محكوم عليها بالتدويل منذ بدايتها، ليس فقط بسبب التدخل الإيراني والروسي عبر بيع الأسحلة والتزويد بالتكنولوجيا المتطورة للتجسس من أجل اكتشاف الناشطين على شبكة الانترنت، وإنما لأن سـوريا هي حجر الزاوية في منطقة معقدة. وهكذا، تعمل مجموعات مختلفة من أجل تشكيل جيش وطني لا يسعى لدور يتجاوز حدود حماية الأرض والشعب.
في هذا السياق، يبقى تحديد المخرج من هذه الأزمة، التي يريد السوريون فقط حلها، يبقى أمراً معقداً في أحسن الأحوال : لا أحد يبدو مستعداً تماماً لتسليح الجيش السوري الحر، بشكل مجاني على الأقل، رغم أن بلداناً مثل قطر والسعودية (الذين يرتجفون عند التفكير بأن الموجة الثورية يمكن أن تصل إلى شواطئهم) تصر على ذلك. المجلس الوطني السوري ذاته انقسم، تحديداً، بسبب الخلافات حول الدعم اللوجستي الذي يجب تقديمه للجيش السوري الحر. وفي هذا الاتجاه تتعزز كل يوم الشائعات حول إقامة منطقة آمنة من قِبَل تركيا، من غير تحديد الجانب من الحدود الذي ستقام فيه، أو ظروف إقامتها.
وبينما يتوالى النقاش، يستمر الشعب في مكابدة عواقب جسارته في المطالبة بالحرية والكرامة. والممرات الإنسانية التي مضى عليهم عدة أسابيع وهم يطالبون بها لم تتحقق. لقد أصبح الوضع الإنساني متردياً، وهذا كله، ممتزجاً بالضغائن التي يزرعها النظام بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، يمكن أن يفسح الطريق لحوادث عنف أهلي. تلك بالتحديد كانت الاستراتيجية المُتَّبعة من قِبَل النظام المتنفذ في دمشق : فرّقْ تَسُـدْ ، مصحوبةً بسياسة الأرض المحروقة التي تتوافق مع مبدأ " قتلتُها لأنها ملك لي ".
إن السيناريو الأكثر ملاءمة للمجتمع السوري، الذي يشكِّل المعارضة الحقيقية، يمكن أن يكون انهياراً للنظام. انهيار اقتصادي، سياسي وعسكري، يفتقد فيه النظام الدعم الكافي والتمويل اللازم لاستمرار آلة القمع، فيسقط. وفي تلك اللحظة سيقع على عاتق السوريين مسؤولية أن لا ينقادوا لمشاعر الانتقام ضد أولئك الذين ساندوا النظام أو بقوا صامتين، في سبيل إعادة البناء الوطني.




www.elconfidencial.com/opinion/tribuna/2012/03/25/la-amarga-soledad-de-la-revolucion-siria-8936

Tuesday, 27 March 2012

اللعبة السورية الكبيرة


اللعبة السورية الكبيرة
اغناثيو الباريث اوسوريو** – صحيفة ال باييس الاسبانية

بينما يحاول بشار الأسـد إخضاع الانتفاضة بالدم والنار ويهاجم السكان المدنيين، تخوض  العربية السعودية، وإيران، و تركيا  منافسةُ من أجل تحقيق مكاسب في الشرق الأدنى الجديد

دخلت الانتفاضة السورية في طريق مسدود. فعندما يوشك العام الأول من الثورة الشعبية على الاكتمال، قرر النظام المقامرة بكل شيء وتوظيف مدفعيته الثقيلة من أجل محاولة سحق الاحتجاجات التي يوجد معقلها في مدينة حمص. فلا هدف له إلا إخضاع الانتفاضة بطريقة حاسمة وإعطاء درس يبقى محفوراً بالدم والنار في روع السكان المدنيين، تماماً كما فعل قبل ثلاثين عاماً في حماة.
رغم ذلك، يخطىء الرئيس بشار الأسـد سواء في التشخيص أو في معالجة الأزمة السورية، ذلك أنه إذا كان هناك من شيء قد تجلى واضحاً في هذا العام الأخير فهو أن مزيداً من القمع يولد المزيد من الاحتجاج في الشارع. وأمام معضلة الخيار بين مغادرة السلطة بمبادرة ذاتية أو القتل حتى الموت، يبدو أنه اختار الأسوأ بين الخيارات. وفي هذا الاتجاه يتَّبع على نحو أعمى الدليل الذي خطه معمر القذافي في ليبيا بالرغم من خاتمته المشؤومة.
بعد إخفاق محاولة وضع حد للمظاهرات السلمية عن طريق استخدام القناصة، لجأت القوات السورية إلى قصف المناطق المأهولة بكثافة بالمدفعية الثقيلة. هذا القرار زاد بشكل ملحوظ عدد الضحايا المدنيين في الأسابيع الأخيرة. نعم بالفعل: لقد امتنع النظام عن استخدام سلاح الطيران من أجل الحيلولة دون تقديم حجج للمجتمع الدولي لفرض مناطق حظر جوي. لكن هذه التصرفات تشكل جرائم ضد الإنسانية يجب أن يتم التحقيق فيها وملاحقتها بشكل فوري.
من كل ما سبق قوله يمكن الاستنتاج بأن استراتيجيات البقاء المُتبنَّاة من قِبَل بشار الأسـد حتى هذه اللحظة قد فشلت، ذلك أنها لم تستطع أن تفت في عضد السكان المدنيين ولا قوَّت النظام أيضاً، الذي يزداد ضعفاً في كل يوم يمر. إن وعوده حول انفتاح سياسي لاحق عن طريق تعديل الدستور أو قانون جديد للأحزاب تبدو فاضحة، ذلك أنها تُقَدًّم في مسرح خلفيته هي أجواء ماقبل الحرب. ويبدو أن النظام يجهل أن الإكراه يعمل فقط إذا تم توظيفه بالقطّارة في أحوال استثنائية، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى أداة يومية من أجل البقاء في السلطة إلى الأبد.
هذا التصعيد الخطير في العنف كان له على الأقل أثر إيجابي، إذ إنه أيقظ المجتمع الدولي من السبات العميق الذي كان غارقاً فيه. فخلال الشهور الأولى من الانتفاضة الشعبية، قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بنوع من التصويت بالثقة لبشار الأسـد، الذي كانوا ينظرون إليه بوصفه إصلاحياً مُقَيَّداً بصقور النظام. هذه القراءة، الخاطئة بكل المعايير، قدمت جرعة من الأوكسيجين للسلطات السورية، التي اعتبرت أنها تملك وقتاً إضافياً، وراهنت، بالتالي، على طريق الإكراه من أجل تهدئة الاحتجاجات. القمع الدموي، الذي أوقع (حتى ذلك الوقت) أكثر من ستة آلاف قتيل، أقنع في النهاية البلدان الغربية بأنها لا تستطيع البقاء مكتوفة الأيدي بينما تنحدر سوريا نحو الحرب الأهلية.
أمام جمود المجتمع الدولي كانت الجامعة العربية هي من تولى القيام بالدور الرئيسي     مقدمةً خريطة طريق من أجل مرحلة ما بعد الأسـد. حال تحققها من فشل بعثة المراقبين، تبنت هذه الهيئة الإقليمية خطة تتوقع قيام حكومة وحدة وطنية بوجود مجموعات المعارضة وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية من أجل اختيار برلمان تمثيلي بشكل كامل. تمعت هذه الخطة بتوافق عربي واسع. ليس فقط من جانب البلدان الأكثر عدائية تجاه النظام السوري(مع قطر والعربية السعودية على رأسها) وإنما حكومات بلدان ما بعد الثورة أيضاً ( تونس، ليبيا، ومصر). كل هؤلاء سحبوا سفراءهم في دمشق وجمدوا العلاقات الثنائية معها.
فقط بعد طرح هذه الخطة، تحرك المجتمع الدولي، لمناقشة مشروع قرار يهدف إلى إدانة السلطات السورية بسبب انتهاكاتها المتكررة لحقوق الإنسان ومطالبتها بالوقف الكامل للاعتداءات على السكان المدنيين. علاوة على ذلك، هدد مشروع القرار بقيام مجلس الأمن بإعادة تقييم الوضع كل خمسة عشر يوماً واتخاذ إجراءات أكثر حسماً إذا لم تُسجَّل تغيرات على الأرض. هذا التهديد الواضح تم تفسيره من قبل روسيا والصين على أنه خطوة أولى من أجل إقامة تحالف للراغبين يستطيع التدخل عسكرياً، كما حدث سابقاً في ليبيا، تحت مبدأ المسؤولية عن الحماية. والفيتو الروسي الصيني اللاحق لا يمكن فهمه بشكل كامل بدون الإشارة إلى المصالح الاستراتيجية والتجارية لكلا البلدين مع سوريا. بالإضافة إلى ذلك، لا يناسب أيَّ واحد منهما تأسيسُ سابقة يمكن أن يتم استخدامها في المستقبل القريب ضد بلدان أخرى (إيران)، ولا تمهيدُ الطريق من أجل أن تعزز الولايات المتحدة موقعها في المنطقة.
لكن ربما كان العامل الأكثر حسماً في هذه اللعبة الكبيرة التي يخوضها هؤلاء وأولئك حول مستقبل سوريا هو تنافس القوى الإقليمية من أجل تحقيق مكاسب في الشرق الأدنى الجديد في مرحلة ما بعد الثورات. ليس سراً أن العربية السعودية تسعى لتصدير نموذجها الوهابي الارثووذكسي المتشدد إلى بقية العالم العربي وأنها وضعت البترودولار في خدمة هذه القضية. لكن الجديد فعلاً هو أن السعوديين يغتنمون المرحلة الحالية، غير الملائمة لمصالحهم من الناحية النظرية، من أجل استعادة الدور المفقود في العقدين الأخيرين ومن أجل محاولة توجيه عمل الحكومات الاسلامية المنتخبة أخيراً. إن هدفها لن يكون أقل من كبح الاصلاحات الديموقراطية وإجبار (هذه الحكومات) على تبني برنامج متشدد. لكن رغم مسعاها هذا، فإن من غير المحتمل أن تستطيع الرياض الوصول إلى مبتغاها، ذلك أن مشروعها السياسي البائس يمثل هجوماً على الخط العام  للربيع العربي.
من جهة أخرى توجد إيران، التي تحاول الحفاظ بأي ثمن على القوس الشيعي الذي يذهب من إيران حتى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، بل إنها تحاول مده إلى بلدان أخرى في الخليج يسكنها الشيعة كالبحرين. من هنا كان سعيها من أجل تطوير برنامج نووي يمكن أن يعزز هيمنتها الاقليمية وأن يتم توظيفة كسلاح ردع ضد الأعداء التقليديين: الولايات المتحدة، إسرائيل، والعربية السعودية. أخيراً، نجد تركيا، التي يبدو أنها ضحَّت بسياستها (صفر مشكلات) مع الجيران من أجل التكيف مع المشهد الاقليمي الجديد محاولةً تحويل نموذجها الإسلام- ديموقراطي إلى مرجع لمجموع الحركات الإسلامية العربية.
في حال لم يجد المجتمع الدولي الصيغة السحرية لحل المشكلة، فإن هؤلاء اللاعبين الثلاثة سيلعبون دوراً محورياً في مستقبل سوريا. ما هو غير واضح هو الثمن المستعد كل واحد منهم لدفعه من أجل الحفاظ على نفوذه أو توسعته. فإذا كانت إيران قد راهنت بكل أوراقها لدعم حليفها الاستراتيجي لأنها تعتبر أن بقاءه قضية أمن قومي لها من الناحية العملية، فإن العربية السعودية وتركيا لا تبدوان مستعدتين لأن تشنَّا، على الأرض السورية، حرباً ضد إيران من خلال لاعبين وسطاء. أضف إلى ذلك، أنه من غير المحتمل إلى درجة كبيرة أن تقبل المعارضة السورية الدخول في هكذا لعبة، أو أن تترك المجموعاتُ العرقية والطائفية المختلفة التي تشكل فسيفساء اجتماعية متنوعة نفسها لتتلاعب بها الدسائس الإقليمية.
والحال هكذا، يمكننا التساؤل كم من الوقت سيكون بمستطاع النظام السوري البقاء في أوضاع مضادة له بشكل متزايد. فكونه منبوذاً في العالم العربي، ومحاصراً بالعقوبات الدولية، ومختنقاً بأزمة اقتصادية عميقة، كل ذلك يؤشر إلى أن الدعم الإيراني والروسي لن يكون كافياً لضمان بقائه. الخاسر الأكبر في هذا الانتظار المؤلم سيكون، مرة أخرى، السكان المدنيين، الذين سيكون عليهم نزف المزيد من  الدماء قبل أن يتهاوى النظام بشكل نهائي.

** أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أليكانتي بإسبانيا.


www.elpais.com/elpais/2012/02/12/opinion/1329064344_827836.html

Friday, 16 March 2012

الهاوية السورية


مقالة افتتاحية في صحيفة الباييس الإسبانية – 15 – 3 - 2012

الهاوية السورية

جرائم الأسـد تتزايد في ظل الشلل الدولي والدرع الروسي- الصيني


تكمل الثورة السورية ضد بشار الأسـد عامها الأول ولا حل يبدو في الأفق. يستغل الطاغية صكاً على بياض قدمته له روسيا والصين في مجلس الأمن، وشللَ القوى الديموقراطية، من أجل مضاعفة تعدياته. وإذا كانت المذابح قد تفاقمت في حمص في الشهر الماضي، فقد جاء دور إدلب ودرعا بعدها، حيث تقوم الفرق العسكرية السورية، وفق نمط متطابق، باستخدام الأسلحة الثقيلة كما يحلو لها قبل البدء في الهجوم من بيت إلى بيت. أكثر من ثمانية آلاف سوري ماتوا في السحق الذي لا يرحم لثورتهم. ربع مليون آخرين فروا من بيوتهم أو إلى بلدان مجاورة للنجاة بأنفسهم من مجزرة تندرج في إطار الجرائم ضد الإنسانية، والتي كان ينبغي على مجلس الأمن، عديم الفعالية، أن يسوق الأسـد بموجبها إلى محكمة الجنايات الدولية.
في هذا السياق المخجل - والذي يجعل مزحة الدعوة إلى انتخابات نيابية في آيار| مايو أكثر دموية – تتطور مهمة كوفي أنان. إن طلبات الأمين العام السابق للأمم المتحدة من الأسـد، ومن بينها وقف إطلاق النار والإنصات إلى المعارضة، تبقى محدودة قياساً بما كانت الجامعة العربية نفسها، التي يمثلها أنان أيضاً من الناحية النظرية، قد طلبته في كانون الثاني| يناير: مغادرته الفورية للسلطة. الأسـد وجلاوزته، الأوفياء لاستراتيجيته في كسب الوقت، يستمرون في خطتهم لتصفية أي عدو وإغلاق الحدود بوجه المقاتلين والأسلحة. لن يقبل الطاغية هدنة طالما اعتقد بأن قبوله لها سيؤدي إلى خسارته النهائية للسيطرة على أجزاء من البلاد. فدمشق تعلم أن المعارضة في المجلس الوطني المنقسم هي غير ذات صلة بالداخل السوري وأن الجيش السوري الحر غير المنظم وسيء التسليح لن يمكنه أبداً أن يكون منافساً لمصفحاتها ومدفعيتها.
يحمل الأسـد على العقوبات السياسية والاقتصادية، لكن آخرين على شاكلته استطاعوا البقاء لسنوات بوجود عقوبات مشابهة. والإدانات الدولية هي سلاح ضعيف في مواجهة الدرع الذي توفره موسكو وبكين في الأمم المتحدة تجاه أي استخدام لاحق للقوة، هذا الاستخدام للقوة الذي لا يوجد الحد الأدنى من الحماس له بين القوى الديموقراطية. مر عام وسقطت آلاف كثيرة من الموتى، والغرب يستمر في تردده المؤلم حول ما يجب ما أن يُفعل. المشهد المتوقع، في غياب المعجزات، هو أن نظاماُ دموياُ، فقد السيطرة على المجتمع، سيستمر في ارتكاب الفظائع الهائلة. وإلى أن تحين خاتمته المحتومة، يمكن أن تكون المأساة طويلة جداً وقاسية.





http://elpais.com/elpais/2012/03/14/opinion/1331757527_776745.html

Monday, 27 February 2012

" إذا سقطت حِمص، ستنتهي الثورة "


" إذا سقطت حِمص، ستنتهي الثورة "
إعادة الاستيلاء على المدينة أصبح الهدف الرئيسي للقوات الخاصة في نظام بشار الأسـد

مايتي كاراسكو – حمص، سوريا – 8 – 2 – 2012 – صحيفة ال باييس الإسبانية:

استولت الفوضى على شوارع بابا عمرو، الحي الحمصي الأكثر معاناة من قوات بشار الأسـد، التي تحاول الدخول إلى المدينة وإنهاء الاحتجاجات في أسرع وقت ممكن. " مضى علينا أربعة أيام ونحن نُقصَف، لكن اليوم كان هو الأسوأ " يؤكد خالد، الناشط السوري. ثمانية وعشرون ألفا من الرجال والنساء والأطفال لا يزالون محاصَرين في هذه الكيلومترات الستة المربعة، حيث لا يوجد ملجأ ممكن، وحيث تسقط قذائف الهاون بمعدل 500 قذيفة يومياً، مع مئات القناصة الذين يطلقون النار على كل ما يتحرك في أي شارع.
حسب مصادر من الجيش السوري الحر، فإن القوات الخاصة التابعة للرئيس الأسد  انتقلت إلى المناطق المتاخمة لمدينة حمص المحاصَرة من أجل القيام بالمهمة القذرة. " لا يثق النظام بجنوده. فالكثير منهم قد انشقوا فعلاً لأنهم رفضوا قتل الشعب السوري، بل إن آخرين هم من المدينة نفسها أو المناطق المجاورة لها. كيف لهم أن يطلقوا النار على أقربائهم؟ ليس لدى النظام ، في هذه الأوقات، إلا هؤلاء والشبيحة " يؤكد خالد.
قناة الجزيرة القطرية الناطقة بالعربية تعرض صوراً التقطها أحد الناشطين للدبابات وهي تتحرك في نقطة ما من المدينة، رغم أنها لا تحدد المكان بالضبط. إن الاستيلاء على معقل المقاومة السورية تحول إلى أولوية لدى النظام، الذي لم يستطع التعامل مع الاحتجاجات التي بدأت قبل أحد عشر شهراً في مدينة درعا. " إذا دخلوا إلى حمص، ستنتهي الثورة " يشرح خالد. " هذه منطقة تخلى عنها الأسـد، لم يستثمر في البنى التحتية، البطالة في حمص كانت تبلغ 37 بالمائة من السكان قبل الثورة، والآن 70 بالمائة، هناك فساد كبير ولا نستطيع الاستمرار هكذا " يضيف خالد.
كل من شارك في المظاهـرات في هذه الأشـهر الأخيرة أُدرِجَت أسـماؤهم في ما يسـمى بـ " القائمة السوداء ". الكثيرون مروا بالسجون، ولم يعد يمكنهم العودة إلى الوراء. إذا استطاع النظام سحق الثورة، فإنهم يخشون التعرض للقتل أو العودة إلى السجن. " بقيتُ ثمانية أيام في سجن مخابرات القوى الجوية " يؤكد أبو عمار. إنها القوات الأكثر رهبة إذ لديها  الرخصة بالتعذيب حتى الموت.
" كنا ثلاثمائة في زنزانة بمساحة ثمانية في أربعة أمتار. لم يعطونا شيئاً للأكل خلال خمسة أيام. كان هناك مرحاض في الزاوية، لكن بدون ماء. كان معي أطفال في السنة العاشرة من أعمارهم. قيدوا يديّ وغطوا عينيّ بعِصابة، علقوني من الذراعين، ألقوا الماء فوقي وعذبوني بالصدمات الكهربائية خلال عشر ساعات ". اتهموه بالتخابر مع الموساد على الرغم من كونه عضواً قديماً في حزب البعث. " كان عليَّ أن أدفع 2000 دولار لجعلهم يطلقون سراحي " يؤكـد.
منذ بداية الانتفاضة وفقط في بابا عمرو، الحي الذي يقطنه ثمانية وعشرون ألفاً، قُتِل 274 شخصاً، وكان هناك 2000 جريح، كلهم تقريباً جراء طلقات القناصة. 1700 شخص فروا، و510 من المنازل تعرضت لأضرار بسبب القصف، حسبما يقول خالد. مضى على المدينة عشرة أيام وهي مطوَّقة بأكثر من 40 حاجزاً للجيش السوري، الذي حاول في سبع مرات سابقة الدخول إلى بابا عمرو، لكنه في المرتين الأخيرتين لم يستطع إخضاع الجيش الحر، الذي يحاول الدفاع عن السكان من الداخل، رغم أنه لا يملك إلا البنادق وقاذفات الآر بي جي فقط، التي لا تستطيع فعل شيء ضد دبابات النظام أو ضد قصف مدافع الهاون التي تطلق من بُعد بشكل عشوائي، بطريقة تجعل سقوط القذائف ممكناً في أية نقطة من المدينة.
رجال ونساء وأطفال يحاولون البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف، بدون أية إمدادات. لم يبق طعام ولا وقود، و العائلات تتكدس في الطوابق السفلية وبعض الأقبية، وهم في حالة من اليأس لشعورهم بأنهم قد تُركوا وحدهم لمصيرهم، بدون مخرج. " لديهم ثلاثة أطباء فقط ،واحد منهم جريح، والآخران منهكان " يؤكد خالد. تحولت البيوت إلى مستشفيات مُرتَجَلَة حيث الرجال والنساء والأطفال يموتون دون عون طبي، ينتظرون الأسوأ، ويصيحون " الله أكبر " مع دوي كل قذيفة.




 

www.internacional.elpais.com/internacional/2012/02/08/actualidad/1328729650_597893.html

Monday, 20 February 2012

الأسـد: وماذا أفعل الآن؟


الأسـد: ومـاذا أفعـل الآن؟
مويسيس نعيم – صحيفة ال باييس الاسبانية

هذا ما ينبغي أن يسأله الطاغية السوري بشكل يومي. ففي حين أن هناك نقاشاً كبيراً حول الخيارات التي تملكها الديموقراطيات في هذا العالم من أجل وقف المذبحة، فإن نقاشاً أقل يدور حول الخيارات التي تبقت للأسـد. أتخيله جالساً يفكر حول ما لديه من إمكانيات بينما يتأمل صورتين من العام الماضي. الأولى هي لزوجته الجميلة أسماء، في تقرير تقريظي عنها قدمته مجلة فوغ، والثانية هي لجثة معمر القذافي. الصورة الأولى تذكره بحياة وخيارات لم يعد يملكها والثانية تبين له أي مصير يمكن أن ينتهي إليه. إن الأمل، الذي رمزت إليه مقالة مجلة فوغ، بأنّ في استطاعة الأسـد إصلاح النظام الديكتاتوري الوحشي الذي ورثه من والده، لم يعد موجوداً عند أحد. آلاف الأبرياء الذين قتلهم يسدون عليه هذا الباب. لكن إذا كان هذا الباب وأبواب آخرى قد أُغلقت في وجهه. فما هي التي الأبواب التي مازالت مفتوحة أمامه؟
1 – القتل. يستطيع الأسـد، كما فعل حتى الآن، يستطيع الاستمرار في قتل الثائرين وأُسَرِهم. هذا ما حاوله القذافي. لكن الليبي أوقفه الناتو، فيما يعلم السوري أن القوى الغربية لن تذهب إلى الحرب ضد بلاده. وفي كل مرة يفرضون عليه عقوبات جديدة، تستعرالمذبحة. لكنه يعلم أيضاً أن القمع بحد ذاته ليس مخرجاً، وأنه لن يمكنه الاستمرار فيه إلى ما لا نهاية، وأن المزيد من البلدان سوف تسلح وتدعم الثائرين الذين يتزايدون يومياً، وأنه في أية لحظة قد يتمرد عليه فصيل مهم من قواته المسلحة. والصين وروسيا قد تفعلان ذلك أيضاً. القتل، لا يكفي.
2 – التفاوض. المشكلة هي: مع من؟ المعارضة هي مزيج غير مستقر من مجموعات غير متناسقة والشيء الوحيد المشترك فيما بينها هو إرادتها التي لا تتراجع في الإطاحة بالأسـد. البديل الآخر هو التفاوض مع الخارج: الأمم المتحدة، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة ... يمكن للأسـد أن يعد، في مقابل وساطة دولية (إرسال القبعات الزرقاء؟) بسلسلة من الإصلاحات السياسية التي تتضمن التخلي عن جزء من السلطة. لكن سيكون من السذاجة الافتراض بأن القوى الخارجية سوف تصدقه، أو أنهم لن يطالبوه بضمانات قوية. أضف إلى ذلك، أن الأسـد نفسه لا يعتقد بذلك. فهو يعلم أن تسليم جزء صغير من السلطة سوف يستتبع زيادة كبيرة في احتمال خسارتها كلها ( انظر إلى حسني مبارك ). إن رفض القذافي العنيد لتقديم تنازلات قام على أساس هذه القناعة حول السلطة. لكن، هل سيتساءل الرئيس السوري: لو أن القذافي علم إلى أين سيقوده تعنته، فهل كان سيستمر في هذا التعنت في كل الأحوال؟ لقد بحث القذافي وأبناؤه بشكل يائس في النهاية عن طريقة للتفاوض حول هدنة يمكنها أن تعطيهم الفرصة للبقاء في السلطة، حتى ولو كانت بشكل أضيق حدوداً. لكن الوقت كان متأخراً. الدرس الليبي هو أنه يجب التفاوض قبل أن تصبح مهزوماً. الدرس المصري والتونسي واليمني هو أن الأنظمة المتسلطة لا يمكنها أن تتقاسم " قليلاً " من السلطة مع غيرها. كل شيء أو لاشيء.
المنفى أفضل من الموت، أو السجن. من المؤكد أن عائلات مبارك وابن علي والقذافـي، مـن بيـن آخـرين، تفكــر علـى هــذا النحــو. وكذلـك فإن مـستوى حـياة ( الديكتاتور) الهاييتي  بيبي دوك دوفالييه، في هذه الأيام، أفضل من ذلك الذي يحظى به سيف القذافي ابن الديكتاتور المتوفى. لا بد أن عائلة الأسـد قد طرحت هذا الموضوع. لكن إلى أين يذهبون؟ في أوروبا تنتظرهم المحكمة الجنائية الدولية ومئات المنظمات التي وثَّقت الفظائع التي قام بها الأسـد وزمرته. إيران هي إمكانية أخرى، كما يمكن أن تكون الصين أو روسيا. لكن التحدي هو: من هم الذين ستقلهم الطائرة إلى المنفى؟ شقيق الرئيس يقود آلة النظام القمعية وشقيقته يشار إليها على أنها محرضة متمرسة للخط المتشدد. وبعد ذلك يأتي الجنرالات، ورؤوساء الأجهزة الأمنية، والشركاء، وآخرون من المتعاونين القريبين. وعائلاتهم. بالفعل، إن واحدة من الشائعات الرائجة الجديرة بالتصديق هي أنه إزاء إمكانية أن يقرر الرئيس اللجوء إلى المنفى، فإن المحيطين به قد خلقوا شبكة فعالة قد تحول بينه وبين السفر.
تقترب نهاية السلالة الحاكمة الدموية السورية، لكن لا أحد يعلم إذا كانت ستأتي في أيام أو أسابيع أو شهور. وكما نرى، فإن الخيارات المتبقية للأسـد قليلة وسيئة. وإذا كان من الصحيح أن القادة الكبار يستطيعون فتح طرق جديدة باتجاه حلول لم يتخيلها أحد غيرهم، فإن من الصحيح أيضاً أن الأسـد ليس قائداً كبيراً. ربما لم يبق إلا الأمل بأن زوجته، التي وصفتها مجلة باري ماتش قبل المذابـح بـ " شـعاع نـور في بلـد تسوده الظلمات "، يمكن أن تضيء الطريق الذي ينقذ حياة الآلاف، بما فيها حياة زوجها.






http://internacional.elpais.com/internacional/2012/02/18/actualidad/1329598350_867594.html

Wednesday, 15 February 2012

بوتين والأسـد: إذا حُلِقت لحيةُ جارك، فسارع إلى بل لحيتك


بوتين والأسـد: إذا حُلِقت لحيةُ جارك، فسارع إلى بل لحيتك
لا يريد بوتين حرباً باردة جديدة، لكنه يخشى أن يتحول "الربيع العربي" إلى "ربيع روسي"

لويس باسيتس – صحيفة ال باييس الإسبانية - الخميس 8 - 2 - 2012

الخميس ليلاً، قبل أسبوع من الآن، كان الاتفاق في متناول اليد بعد مفاوضات طويلة. أخذ سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الذين كانوا قد أعدوا نصاً مُتفقاً عليه، أخذوا  يرسلونه، كل إلى عاصمته. توفرت في القرار جرعة الصلابة والضغط على نظام بشار الأسـد التي يستوجبها التصعيد الدموي القمعي الذي يشنه ضد الاحتجاجات الشعبية، وفي  الآن نفسه، المرونة التي يتطلبها الرهان على مخرج مُتفاوض عليه، كما ترغب غالبية الدول في المحيط العربي ودول مجلس الأمن.
السعى وراء التوافق يُعبَّر عنه بوضوح في الاستبعاد الصريح لأي عمل عسكري مُتَضمن في مشروع القرار. لم يقترح أحد تكرار التجربة الليبية. أيضاً لم يتم التهديد بعقوبات جديدة، كما كان الحال في القرار المجهَض في تشرين الأول| اكتوبر بالفيتو المزدوج الأول لروسيا والصين. يوجد أيضا إدانة للعنف" من أية جهة كان "، كما هو معتاد القول في مثل هذا النوع من النصوص. وتم تفادي توجيه دعوة مباشرة إلى الديكتاتور للتخلي عن السلطة، كما كانت تود المعارضة .
" سأوصي بتصويت إيجابي " قالها يوم الخميس ذاته السفير الروسي في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين لزميله الفرنسي جيرارد ارود ". "في اليوم التالي (الجمعة) كنا شهوداً على تحول ذي 180 درجة " شرح ارود نفسه لصحيفة لوموند الفرنسية. وأضاف " بعد التصويت يوم السبت، قرأ تشوركين كلمته بدون أن يسعى حتى للنقاش. كان يعلم أننا ذهبنا بعيداً في تنازلاتنا، الشيء غير المتنظر بالنسبة للروس، الذين تم احترام خطوطهم الحمراء ". في هذا التصويت استخدمت روسيا والصين حق النقض من جديد، في تصرف لا يمكن تفسيره، لا بمحتوى القرار ولا بالمصالح التي تمثلها القوتان الحاميتان للأسـد.
تؤكد موسكو، وهي التي تأخذ زمام المبادرة دائماً، أن القرار يحرض على تغيير النظام ويؤسس للتدخل في السيادة السورية. أمر يصعب تصديقه، لأن الاقتراح اقتصر على  استحسان والاستشهاد ببعض الإشارات، غير المباشرة دائماً، إلى خطة عمل الجامعة العربية وبرنامجها الزمني من غير تبنيها بشكل كامل. صحيح أنها تتضمن استقالة الأسـد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية والدعوة إلى انتخابات حرة، لكن لا شيء في النص، بخلاف ما حدث في ليبيا، يقود إلى خلق منطقة حظر جوي أو إلى عمل عسكري من أجل حماية السكان المدنيين. فالأمر يتعلق، من بين أشياء أخرى، بمجرد إعلان (تصريح) بدون وسائل للتطبيق الإلزامي ولا مهل زمنية محددة، الشيء الذي يمكن الحصول عليه فقط مع استخدام القوة، المستبعد بشكل صريح. ومن أجل توسيع الهوة، طلبت موسكو في المرحلة الأخيرة من المفاوضات بأن يُعامل الطرفان بشكل متساو، وكأنهما فصيلان مسلحان عنيفان مسؤولان بشكل متساو عن المذابح.
الجامعة العربية هي مؤسسة متعددة الأطراف كانت مضرب المثل في عدم الفاعلية خلال عقود، تحولت إلى لاعب فاعل مع انطلاق الثورات العربية. كان لها دور ملحوظ في القرارات حول ليبيا وهو ما تفعله في الأزمة السورية، محتلة بذلك مكان دول وهيئات دولية أخرى. إن تحركاتها حذرة بدرجة كبيرة لأنها يجب أن ترضي المواطنين ذوي الفاعلية والتطلعات المتنامية في البلدان التي تمر بمرحلة التحول، وفي الآن نفسه، عليها أن ترضي المَلَكيات الشمولية الحاكمة. في سـوريا، حاولت الجامعة العثور على طريقها الخاص للضغط بشكل يقود إلى تحول سلمي ومُتفاوض عليه، أولاً من خلال بعثات تفتيش مدنية من أجل حماية السكان المدنيين وبعد ذلك مع هذه الخطة العملية التي تنتهي بانتخابات حرة، ستكون الأولى في سـوريا إذا حصل وتم إجراؤها.
فضَّلت روسيا والصين سـد هذا الطريق، على الرغم من الضرر الذي قد يلحق بصورتيهما وحتى بمصالحهما في المنطقة وفي مجموع العالم الناشىء، إذ تحلان محل الولايات المتحدة والأوروبيين كحُماةٍ للأنظمة الديكتاتورية. وأمام صوتيهما المعارضين تقف أصوات كل الأعضاء الباقين في المجلس، الذي توجد فيه بلدان مثل الهند وجنوب أفريقيا أو باكستان.
إن مفتاح الموقف الروسي موجود في الشأن الداخلي. فعندما امتنعت موسكو عن التصويت بشأن القرار حول ليبيا لم يكن قد انطلق بعد الربيع " الشتوي " الذي يواجهه بوتين. لا يخشى حاكم مستبد شيئاً أكثر مما يخشى من سقوط مستبد آخر. إن طبيعة بوتين كعميل سابق للـ كي جي بي تقوده إلى التجديف ضد التيار، على الأقل إلى أن ينقذ الانتخابات الرئاسية في الرابع من آذار| مارس القادم. إنه لا يحاول الدفاع عن مواقع جيواستراتيجية في حرب باردة جديدة. ولا يدافع عن مصالح اقتصادية أو تسليحية كبيرة. الأمر أكثر بساطة من ذلك. إنه يخشى الديموقراطية، ويخاف على رضى الحد الأدنى للمواطنين اللازم للحكم. إذا حُلِقت لحية جارك، سارع إلى بل لحيتك.







www.internacional.elpais.com/internacional/2012/02/08/actualidad/1328733423_781112.html

Saturday, 11 February 2012

حِمص الشهيدة


حِمـص الشـهيدة
خوان غويتيسولو – صحيفة ال باييس الإسبانية

كما في سراييفو، يعانون من القصف اليومي لمدفعية وقذائف هاون الجيش  وطلقات القناصة. كما في الشيشان، ينبغي عليهم إخفاء الجرحى في ملاجئ مُرتَجَلة أو في أقبية بدون أية مواد طبية جرّاء الخوف من تعرض هؤلاء الجرحى والقائمين على رعايتهم إلى الاعتقال والاختفاء في مراكز التصفية المريعة.
أتكلم على سكان حِمص، الذين نقرأ عنهم يوماً بعد آخر في الصحافة، أو نشاهدهم على الانترنت أو على شاشات التلفزة بفضل بطولة بعض المراسلين الذين يغامرون بحياتهم في كل لحظة في هذه المدينة المحاصرة من قِبَل قوات بشار الأسـد وأفراد الميليشيات الذين  بإمرته، بدون أن يتوصل المجتمع الدولي إلى توفير الوسائل اللازمة من أجل وضع حد لهكذا عذاب.
بخلاف ما حصل في المدينة الجارة حماة قبل ثلاثين عاماً بالضبط عندما قُتِل أكثر من عشرين ألفا من أبنائها على يدي حافظ الأسـد، والد الديكتاتور الحالي، وتم إخفاء الأمر بشكل حريص من قبل أجهزة رقابته الحديدية وبالكاد وصلت أخبارها -  إذا كان الإعلام يشكل سلطة رابعة فإن عدم وجوده يعني وجود سلطة أكبر بشكل غير متناه - فإن صور الهواتف المتحركة والشبكات الاجتماعية وكذلك شجاعة أولئك الذين يخاطرون بالتحدث بصراحة للإبلاغ عن الوحشية التي تنكِّل بها السلطة السورية بمواطنيها هي تحت مرأى مئات ملايين المشاهدين والقراء ومستخدمي الانترنت في العالم كله.
لكن رغم ذلك، تستمر المذبحة: في كل يوم يتم تزويدنا بصور جديدة مروعة. جثث مضرَّجة بالدماء يتعذر دفنها بكرامة، ذلك أن القناصين، كما في سراييفو، يطلقون النار على مواكب المشيعين. أجسام، انتَزَعتْ منها قنبلة يدوية أو انفجار قذيفة قدماً أو ذراعاً، ممددة على الأرض بدون أي عون طبي. عيادات خالية من الوسائل الأساسية لتقديم الإسعافات الأولية. لا أحد يستطيع توفير الأوكسيجين، التخدير، والأدوات الجراحية. جيش بشار الأسـد وأتباعه موجودون هناك للحيلولة دون ذلك: يستهدفون أية مركبة تنقل الجرحى. أما المستشفيات الخاضعة لسيطرتهم فقد أصبحت الآن مراكز للاستجواب حيث الضحايا والمعتنون بهم يمكن أن يتم إرسالهم إلى السجون السرية للنظام، أو، بعد أن يصبحوا جثثاً بالفعل، يتم تقديمهم على أنهم عملاء متسللون من الخارج يعملون في خدمة  مؤامرة مبهمة.
لا يهم كثيراً أن يعبِّر المجتمع الدولي عن غضبه، أو أن يرسل مراقبين في جولات مخطط لها، أو أن يسحب دبلوماسييه. هذه الضغوط لا تجدي شيئاً. فالطاغية يتشبث بالسلطة محذراً تحذيره البغيض بأن البلاد من دونه ستغرق في حرب عرقية - طائفية كتلك التي حدثت في العراق. في الحقيقة، إنه لا يتطلع إلا للبقاء على حساب نزف دماء شعبه. لقد تجاوز بشار الأسـد آخر الخطوط الحمراء وهو يعرف أن لا إمكانية للتراجع. فإما القضاء على السكان المنتفضين أو نهاية سلالته "الجمهورية" الحاكمة والعسكريين الذين يدعمونها.
في العام الماضي، عندما كنت أعلِّق في هذه الصفحات نفسها على قمع الاحتجاجات في تونس ومصر وليبيا لاحظتُ متهكماً أن درجة حب الطغاة العرب لشعوبهم تتجلى في نوع الأسلحة التي يستخدمونها لإسكاتهم: من الغازات المسيلة للدموع إلى المدفعية الثقيلة. وعند رؤية ما يجري في سـوريا، فليس هناك أدنى شك في أن قصب السبق في هذا السباق الفريد من نوعه سيكون من نصيب الأسـد، عاشق حِمص.



http://internacional.elpais.com/internacional/2012/02/10/actualidad/1328898486_557181.html

Tuesday, 7 February 2012

الفيتو المخزي


الفيتو المخزي
مقالة افتتاحية في صحيفة ال باييس الاسبانية – 5 – 2 - 2012


إذا كان هنالك من لا يزال يمنح نتفة من الشرعية للنظام الديكتاتوري القاتل لبشار الأسـد، فإن مذبحة القصف المدفعي العشوائي في حمص، دينامو الانتفاضة الطويلة ضد الديكتاتور السـوري، قد أبطلتها بطريقة لا استئناف فيها. إن القتلى في حمص، وهم أكثر من مائتين، قد أثاروا سخط القوى الديموقراطية، واستجلبوا الغضب على العديد من السفارات السورية، واستدعوا مواقف مثل قطع تونس (حيث بدأت الصحوة العربية) الفوري لعلاقتها مع نظام دمشـق.
أن تصوِّت روسيا والصين، على هذه الخلفية ، في مجلس الأمن يوم أمس، بمواجهة الثلاثة عشر عضواً الباقين، ضد الاقتراح المعتدل للجامعة العربية الذي يتوقع مغادرة السلطة من قِبَل الطاغية الذي يقود بلاده نحو الحرب الأهلية، فهذا يجعله يوماً أكثر حزناً للسوريين ولقضية الكرامة. ويُظهِر عدم فعالية الجهاز التنفيدي لهيئة الأمم المتحدة في هذه اللحظات الحرجة. من أجل ألا تفرض الفيتو، سعت موسكو، في ممارسة لا تُطاق للكلبية، لأن يُحمِّل النصُ المسؤوليةً عن الإبادة الجارية في سـوريا (حوالى ستة آلاف قتيل) بالتساوي بين النظام الديكتاتوري السفّاح وأولئك الذين انتفضوا ضده.
وإذا كانت الصين، تاريخياً،غير حساسة تجاه أي انتهاك لحقوق الإنسان، فإن موسكو قد جعلت من سـوريا، لأسباب مختلفة، معقلاً لها في الشرق الأدنى. ليس فقط بسبب عقود التسليح المليونية مع دمشق أو من أجل الاحتفاظ بطرطوس قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط. إن الكرملين، الحليف التاريخي لهذه الديكتاتورية الوراثية، يفقد  بشكل كبير نفوذه في المنطقة، سواء أتعلق الأمر بإيران، العراق، أو ليبيا. وهو ليس مستعداً لتكرار الخطأ الذي فتح الأبواب للناتو في ليبيا.
بشار الأسـد، الذي كان يتباهى بأن الربيع العربي لن يصل أبداً إلى عرينه، يغرقه الآن بطلقات المدافع، بعد أن حنث بجميع وبكل واحد من وعوده. إن الأحداث تُظهِر أن مصيره، حتى لو كانت موسكو إلى جانبه، قد تحدد بشكل نهائي. سبق السيف العذل.






www.elpais.com/articulo/opinion/veto/infame/elpepiopi/20120205elpepiopi_3/Tes

Wednesday, 1 February 2012

روسيا وسوريا: المبادئ السياسية والفرص الاستراتيجية


روسيا وسوريا: المبادئ السياسية والفرص الاستراتيجية
انطونيو روبيو بلو – موقع : اتينيا ديخيتال

عنت نهاية الحرب البادرة تراجعاً  للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط. و لم يبق لموسكو إلا  تحالفها الاستراتيجي مع سوريا وإيران، الذي تبذل قصارى جهدها للحفاظ عليه بمواجهة كل الصعاب، ولو على حساب الانتقادات والضغوط التي تواجهها على المسرح الدولي.

مبادئ القومية والسيادة
كانت روسيا حليفاً تقليدياً للنظام السوري لمدة طويلة قبل أن يستولي آل الأسـد على السلطة في عام 1970، نظراً إلى طبيعة النظام الذي كان يقدم نفسه على أنه قومي عروبي واشتراكي بقيادة حزب البعث، وكان يشكل ثقلاً موازياً مهماً لإسرائيل، الحليف الأكبر لواشنطن في هذه المنطقة. في عهد بريجينيف، وقعت موسكو اتفاقاً للتعاون العسكري مع دمشق، لم يعن لها تسهيلات في الانتشار الجوي والبحري وحسب، و إنما جعل من سوريا زبوناً بارزاً لشراء السلاح السوفياتي، في شكل طائرات، وأنظمة دفاع جوي، وصواريخ مضادة للسفن، وأسلحة خفيفة. هذا التقليد استمر ونمى خلال رئاسة بوتين، وخاصة عندما فتحت الحرب في العراق نافذة أخرى من الفرص للعلاقات الروسية السورية. في أعقاب تلك الحرب مباشرة، اتهمت الولايات المتحدة نظام بشار الأسـد بحماية الإرهاب في بلاد ما بين النهرين. وفي ذلك الحين كان بوتين يُظهِر لواشنطن عضلاته الوطنية ويبدأ بتوسيع شبكة من الاتفاقات الاستراتيجية إلى كل تلك البلدان المعارضة للمصالح الأمريكية في قارات  مختلفة، ومن بينها لم يكن من الممكن تجاهل سوريا.
القومية والسيادة هي ما يحدد الموقف الروسي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، قبل وبعد الربيع العربي. يمكن فهم التهكم الوارد في مقال نشر حديثاً في صحيفة عرب تايمز الكويتية " الناطقة بالانكليزية " والذي يقول فيه وزير نفط كويتي سابق إن المعاناة الطويلة للروس الذين خضعوا للديكتاتورية لأكثر من سبعين عاماً، حملتهم على التفكير في الطغاة  بوصفهم التعبير الأقصى عن الديموقراطية. بالنسبة لمن يمتلك مفهوماً مفرط الواقعية عن السياسة الخارجية، فإن الديموقرطية هي مجرد قضية داخلية للدول، وفي الحد الأقصى، يكون الشيء الوحيد الذي يمكن فعله، من أجل عدم انتهاك المبدأ المقدس في عدم التدخل، هو دعوة الأطراف المتنازعة إلى الحوار.
وساطة ذات مصلحة
تحتفظ روسيا بقاعدة عسكرية في ميناء طرطوس السوري، حيث يتم تزويد أسطول البحر الأسود بالإمدادات. هنالك رست مؤخراً حاملة الطائرات الأميرال كوزينتزوف، التي تابعت بعد ذلك رحلتها في البحر الأبيض المتوسط، مع سفن أخرى، من أجل المشاركة في بعض المناورات. يحتمل الأمر تفسيرين: التفسير الروتيني بأن المناورات كانت متوقعة مسبقاً، والتفسير الذي يتردد في الصحافة الرسمية، بأن وجود القوات البحرية الروسية يمثل دعماً جديداً من موسكو لنظام الأسـد، وهي إشارة واضحة على أنه لايمكن القبول بأي تدخل أجنبي في القضايا الداخلية، لا في شكل عقوبات ولا في شكل " تدخل إنساني". إنها إشارة شكرها متظاهرون حملوا لافتات قبالة الأسطول الروسي، رغم أن مرور الوقت يظهر أن هذه الدعم له حدود، بالنظر إلى مشروع القرار الذي قدمته روسيا إلى مجلس الأمن في الخامس عشر من ديسمبر| كانون الأول الماضي، وتدعو فيه إلى وقف العنف والحوار بين الحكومة والمعارضة، وهي عبارات مشابهة لتلك التي استخدمتها الجامعة العربية من أجل تبرير إرسال المراقبين إلى سوريا.
يتعقد الوضع لأن بشار الأسـد يريد الاستمرار في أن يكون هو الحل بدون أن يتخلى عن كونه سبباً للمشكلة. فرغم القمع، يستمر في تقديم نفسه بوصفه الوحيد القادر على قيادة  مسيرة البلاد نحو التحول الديموقراطي. إما أنا أو العنف الطائفي، تكرار للمجازر العراقية في سوريا ولبنان أو النظام نفسه من أجل الاستمرار في توفيرالاستقرار لشعبه، مع إدخال بعض الإصلاحات الهيكلية. يحاول الرئيس تغذية الأمل نفسه الذي تم زرعه عندما حل محل والده في عام 2000. لكن إذا كان قد عرض في وقت ما القيام بالإصلاح بشكل جدي، فإنه واجه عقبات لا يمكن اجتيازها تقريباً في نظام متحجر في بناه الاجتماعية، حيث الأقلية العلوية تهيمن على مفاصل السلطة المدنية والعسكرية، وفي الحياة السياسية تُكَرَّر الشعارات القديمة عن الوحدة والحرية والاشتراكية، البعيدة عن ديموقراطية ذات تعددية حزبية حقيقية. في هذا المشهد من الجمود السياسي ماذا تستطيع روسيا أن تفعل؟
الهدف الرئيسي للروس سيكون تقديم أنفسهم كوسيط بين النظام والمعارضة في المجلس الوطني السوري. لا يحتاج المعارضون إلى موسكو من أجل تقديم دروس عن الديموقراطية وإنما من أجل دعوة عشيرة الأسـد لمغادرة السلطة والحصول على منفى ذهبي لم يتوفر لمبارك أو القذافي، اللذين لم يكونا مدركين قط بأن أيامهما كانت معدودة. لكنَّ المنفى هو مكافأة زهيدة بالنسبة إلى من لم يعرف في حياته شيئا آخر غير السلطة. وهو يمكن أن يقبل شيئاً كهذا في حالة يائسة جداً، الأمر الذي يعتقد حكام سوريا أنه مازال بعيداً، ذلك أن روسيا والصين سينقضون في مجلس الأمن أي قرار بتدخل أجنبي، والمعارضة منقسمة جداً حول خططها العملية والمستقبل الذي لا تبدو فيه إمكانيات الانتصار على المدى القصير. وعليه، ستستمر موسكو في الدفاع عن سيادة الدولة السورية وعن مبدأ عدم التدخل. لكن مع ذلك كله، يعي الروس أن الوقت، لا سيما في حال زيادة عدد القتلى، لا يعمل في صالح حكومة الأســد. ومن هنا كانت الحاجة إلى عدم إهمال الاتصال مع المجلس الوطني السوري، الذي أكد رئيسه برهان غليون في موسكو في نوفمبر| تشرين الثاني الماضي على أن المصالح الروسية ستبقى مضمونة عند تغير النظام.
و هكذا فإن الهدف الرئيسي للروس سيكون إقناع أية حكومة يمكن أن توجد في دمشق بأن موسكو فقط هي التي تستطيع الاستمرار في ضمان مصالحها، في تناقض واضح مع تطلعات الولايات المتحدة، إسرائيل، تركيا أو الغالبية العظمى من أعضاء الجامعة العربية.



www.ateneadigital.es/RevistaAtenea/REVISTA/articulos/GestionNoticias_7170_ESP.asp#